أبي الفرج الأصفهاني
483
الأغاني
وإن لم أكن من قاطنيه فإنّه يحلّ به شخص عليّ كريم ألَّا حبّذا من ليس يعدل قربه لديّ وإن شطَّ المزار نعيم ومن لامني فيه حميم وصاحب فردّ بغيظ صاحب وحميم / ثم سكن كالمغشيّ عليه ، فصحت بالصّبية [ 1 ] ، فأتوا بماء فصببته على وجهه ، فأفاق وأنشأ يقول : إذا الصّبّ الغريب رأى خشوعي وأنفاسي تزيّن بالخشوع ولي عين أضرّ بها التفاتي إلى الأجزاع [ 2 ] مطلقة الدموع إلى الخلوات يأنس فيك قلبي كما أنس الغريب إلى الجميع فقلت له : ألا أنزل فأساعدك ، أو أكرّ عودي على بدئي إلى الحمى في حاجة إن كانت لك حاجة أو رسالة ؟ فقال : جزيت وصحبتك السلامة ! امض لطيّتك [ 3 ] ، فلو أني علمت أنك تغني عنّي شيئا لكنت موضعا للرغبة وحقيقا بإسعاف المسئلة ، ولكنّك أدركتني في صبابة من حياتي يسيرة ؛ فانصرفت وأنا لا أراه يمسي ليلته إلَّا ميّتا ، فقال القوم : ما أعجب هذا الحديث ! واندفع ابن عائشة فتغنّى في الشعرين جميعا وطرب وشرب بقيّة يومه ، ولم يزل يغنّينا إلى أن انصرفنا . فأما نسبة هذين الصوتين فإنّ في الأوّل منهما لحنا من خفيف الرّمل الثقيل المطلق في مجرى الوسطى ، نسبه يحيى المكَّيّ إلى معبد ، وذكر الهشاميّ أنه منحول . وفي هذا الخبر : أنّ ابن عائشة غنّاه ، وهو يغنّي في البيت الأوّل والثاني من الأبيات . وفيه للضّيزنيّ [ 4 ] الملقب بنبيكة لحن جيّد من الثقيل [ 5 ] الأوّل . وكان نبيكة هذا من حذّاق المغنّين وكبارهم ، وقد خدم المعتمد ثم شخص إلى مصر فخدم خمارويه بن أحمد ، ثم قدم بغداد في أيام المقتدر ، ورأيناه وشاهدناه ، وكانت في يده صبابة قويّة من إفضال ابن طولون واستغنى بها حتى مات ، وله صنعة جيّدة قد ذكرت ما وقع / إليّ منها في « المجرّد » [ 6 ] . وذكرت ممّا وقع إليّ له في هذا الكتاب لحنا جيّدا في شعر سعد ذلفاء [ 7 ] ، وهو : ولمّا وقفنا دون سرحة مالك في موضعه من أخباره [ 8 ] . وأمّا الشعر الثاني الذي ذكرت في هذا الخبر الماضي : أنّ ابن عائشة غنّاه فما رأيت له نسبة في كتاب ولا سمعت فيه صنعة من أحد ، ولعله ممّا انطوى عنّي أو لم يشتهر فسقط عن الناس .
--> - خصب وكلا . [ 1 ] في ط : « بالأصيبية » بالتصغير . [ 2 ] في ب ، س ، ء ، ط : « الأجراع » بالراء بعد الجيم . [ 3 ] أي لوجهتك ، يقال : مضى لطيته ، أي لوجهه الذي يريده ولنيته التي انتواها . [ 4 ] كذا في أغلب الأصول . وفي ط : « النصيريّ » . [ 5 ] كذا في ح ، وفي سائر النسخ « ثقيل الأوّل » . [ 6 ] اسم كتاب لأبي الفرج الأصبهاني ( انظر الكلام على مؤلفاته في التصدير الذي كتبناه في الجزء الأوّل من « الأغاني » طبعة دار الكتب ) . [ 7 ] كذا في ح . وفي سائر النسخ : « في شعر ذلفاء » بدون كلمة سعد . [ 8 ] لم نعثر في كتاب « الأغاني » على بحث خاص لنبيكة الضيزنيّ أو لسعد ذلفاء .